ابن عطاء الله السكندري
27
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 153 ) [ الأنعام : 153 ] ، ولم يشر إلا إلى موجود فمن أضاءت له الطريق يتبعها ومن كانت طريقه مظلمة لم يشهدها فيبقى متحيرا فإن كنت قد أطلقت سمعك وبصرك ولسانك برهة من عمرك فقيد الآن ما أطلقت ، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ( يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ) « 1 » وذلك لأنهم سبقوا في الدنيا بالعبادات وأنت تترك الجماعة وتصلى وحدك وإذا صليتها نقرتها نقر الديك وهل يهدى للملوك إلا ما حسن وانتخب فما سبق الفقراء إلى الجنة إلا لأنهم سبقوا إلى خدمة المولى في الدنيا والمراد بالفقراء الصبر الذين صبروا على مر الفاقة حتى إن أحدهم ليفرح بالشدة كما تفرح أنت بالرخاء فدخول الفقراء الجنة يدل على تحضيضهم على الفاقة . كفى بك جهلا أن تتردد إلى مخلوق وتترك باب الخالق فقد ارتكبت المعاصي من كل جانب أفلا تكون محزونا على نفسك والعجب كل العجب من عبد يقبل على صحبة نفسه ولا يأتيه الشر إلا منها ويترك صحبة اللّه ولا يأتيه الخير إلا منه ، فإن قبل كيف الصحبة للّه ؟ فاعلم أن صحبة كل شيء على حسبه ، فصحبة اللّه تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، وصحبة الملكين أن يمليهما الحسنات ، وصحبة الكتاب والسنة أن يعمل بهما ، وصحبة السماء بالتفكر فيها ، وصحبتك الأرض بالاعتبار لما فيها وليس من لازم الصحبة وجود الرتبة فالمعنى في صحبة اللّه صحبة أياديه ونعمه : فمن صحب النعم بالشكر وصحب البلايا بالصبر وصحب الأوامر بالامتثال والنواهي بالانزجار والطاعة بالإخلاص فقد صحب اللّه تعالى فإذا تمكنت الصحبة كانت خلة . إياك أن تقول ذهب الخير وانطوى بساطه فلسنا نريد من يقنط الناس من رحمة اللّه ويؤيسهم منه تعالى ففي زبور داود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة السلام : أرحم ما أكون بعبدى إذا أعرض عنى ، فرب مطيع هلك بالعجب ورب مذنب غفر له بسبب كسر قلبه : عن الشيخ مكين الدين الأسمر أنه قال رأيت بالإسكندرية عبدا مع سيده وعليهما لواء قد أطبق ما بين السماء والأرض فقلت يا ترى هذا اللواء للسيد أم للعبد فتبعتهما حتى اشترى له سيده حاجة وفارقه فلما ذهب العبد ذهب اللواء معه فعلمت أنه ولىّ من أولياء اللّه تعالى فجئت إلى سيده وقلت له أتبيعنى هذا العبد فقال لماذا فما زال بي حتى ذكرت له أمره فقال لي يا سيدي الذي تطلبه أنت أنا أولى به وأعتقه
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 4 / 578 ) ، والنسائي في الكبرى ( 6 / 412 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1380 ) ، وابن حبان ( 2 / 451 ) ، وابن أبي شيبة في المصنف ( 7 / 86 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 343 ، 451 ) ، ( 3 / 324 ) ، ( 5 / 366 ) ، وأبو يعلى ( 1 / 78 ) ، والطبراني في الأوسط ( 1 / 33 ) ، ( 4 / 9 ) ، وفي الكبير ( 12 / 315 ) ، وفي مسند الشاميين ( 1 / 374 ) ، وعبد بن حميد ( 1 / 336 ) ، وهناد في الزهد ( 1 / 324 ) .